محمد هادي معرفة

14

التمهيد في علوم القرآن

وهذا شيء اعترفت به جهابذة الفن ، وأذعنت له علماء البيان وأمراء الكلام ، فضلا عن شهادة أفذاذ العرب الأقحاح . . . فلنستمع الآن إلى كلماتهم المشرقة : قال الشيخ عبد القاهر : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادي آية ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كل مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام ، وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كل حجة وبرهان ، وصفة وتبيان ، وبهرهم أنهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشرا عشرا وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة ينكر شأنها أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى أو أخلق ، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاما والتئاما ، وإتقانا وإحكاما ، لم يدع في نفس بليغ منهم - ولو حكّ بيافوخة السماء « 1 » موضع طمع ، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول ، وخلدت القروم « 2 » فلم تملك أن تصول « 3 » . وقال - في مفتتح رسالته الشافية - : اعلم أنّ لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخصّ وأولى ، وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم ، وهو فيه أجلى ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب ، وبالقبول أخلق ، وكان السمع له أوعى ، والنفس إليه أميل . . . وهذا هو السبب في عجز العرب حين تحدّوا إلى معارضة القرآن ، وإذعانهم وعلمهم أنّ الذي سمعوه فائت للقوى البشرية ، ومتجاوز للذي يتّسع له ذرع المخلوقين .

--> ( 1 ) اليافوخ : عظم مقدم الرأس ، والمثال كناية عن الشموخ بالرأس تكبّرا . ( 2 ) القرم : العظيم الشأن ، يقال : خلد بالمكان أي أقام به ، وخلد بالأرض : لصق بها ، كناية عن المسكنة والخمول . ( 3 ) دلائل الإعجاز : ص 28 .